الشيخ محمد الصادقي
549
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
سورة الممتحنة 1 - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوفاق دون نفاق لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ مغبّة رعايتهم أهليكم الباقين في مكة تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ أسرارا عن الكتلة الإسلامية بِالْمَوَدَّةِ وَ الحال أنهم قَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ كله ، ومن كفرهم أنهم يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ عن عاصمة الرسالة ، نقمة أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ لا سيما إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي بخروجكم ، وأنتم رغمداك كله تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ إسرارا بِالْمَوَدَّةِ الملقاة إليهم ، حفاظا على أهليكم ، مؤمنين أو كافرين وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ فلا مجاراة أو مودة ، فضلا عن إسرار إلى الكفار ، مغبة الحفاظ على أهليكم ، مما يدل على أن في الدوران بين أمرين يؤخذ بأهمها عند اللّه ، ولا أهم من شرعة اللّه ، ولا سيما إذا كان الأهلون كفارا ، فإن ذلك من النفاق وإن لم يكن رسميا قاحلا ، فقد تناسب هذه الجهالة الإيمان الناقص " وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ " مهما كان في سبيل . 2 - فهم إضافة إلى كفرهم إِنْ يَثْقَفُوكُمْ ظهورا عليكم بملاحقتكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً جهرة كما كانوا سرا وَ من جهره أن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بل وَوَدُّوا لَوْ ليتكم ، مستحيلا بشرف الإيمان تَكْفُرُونَ أفبعد هذه الأخطار من هؤلاء الكفار " تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ " ؟ وهو ضعف في الإيمان ، بل ضغط على الإيمان . 3 - ومهما كان ذلك الإصرار في هذا الإسرار لأرحام وأولاد ولو كانوا مؤمنين ، ف لَنْ مستحيلا تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ فإن يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ اللّه بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فكيف ينفعونكم وهم كافرون . 4 - قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المرسلين ومن أشبه إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ المشركين إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ العابدين من دون اللّه وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مهما كنتم من أقرب الأقرباء كآزر لإبراهيم إذ كان عمه ، وأباه في التربية كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً بادية ظاهرة ، دون خفاء ، فقط حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ اللّهم إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ آزر لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إذ لا أعلم أنك ستؤمن ، ف " ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ . . مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ . وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ " ( 9 : 114 ) " مَوْعِدَةٍ " إذ قال " سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي " ( 19 : 47 ) حيث خمّن أنه متروّ عن إيمان بقوله " وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا " ( 19 : 46 ) فلأنه أخطأ في موضع الاستغفار ، على علمه بحكمه ، لذلك لا يؤتسى فيه ، وإنما في غيره مما فعل ، والأسوة الطليقة دون أي خطأ هو لرسول اللّه : " لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً " ( 33 : 21 ) رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا رجوعا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ في كل مسير : " يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ " ( 84 : 6 ) . 5 - رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أن تفتننا بهم وَاغْفِرْ لَنا فيما فتنّا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حكيم في عزته ، عزيز في حكمته .